أبي الفرج الأصفهاني
288
الأغاني
ونهضنا معه ، فإذا نصيب على المنحر [ 1 ] من صفر [ 2 ] . فلمّا عايننا وعرف أبا عبيدة هبط ؛ فسأله عن أمره ، فأخبره أنه تبع قوما سائرين وأنه وجد آثارهم ومحلَّهم بالفرش فاستولهه ذلك . فضحك به أبو عبيدة والقوم ، وقالوا له : إنما يهتر [ 3 ] إذا عشق من انتسب عذريّا ، فأمّا أنت فما لك ولهذا ؟ ! فاستحيا وسكن . وسأله أبو عبيدة : هل قلت في مقامك شعرا ؟ قال : نعم ! وأنشد : لعمري لئن أمسيت بالفرش مقصدا ثويّاك [ 4 ] عبّود [ 5 ] وعدنة [ 6 ] أو صفر / ففرّع [ 7 ] صبّا أو تيمّم مصعدا لربع قديم العهد ينتكف [ 8 ] الأثر دعا أهله بالشأم برق فأوجفوا ولم أر متبوعا أضرّ من المطر لتستبدلن قلبا عينا سواهما وإلا أتى قصدا حشاشتك [ 9 ] القدر خليليّ فيما عشتما أو رأيتما هل اشتاق مضرور إلى من به أضرّ نعم ربّما كان الشّقاء متيّحا [ 10 ] يغطَّي على سمع ابن آدم والبصر قال : فانصرف به [ أبو عبيدة ] [ 11 ] إلى منزله ، وأطعمه وكساه وحمله [ 12 ] ، وانصرف وهو يقول : أصاب دواء علَّتك الطبيب وخاض [ 13 ] لك السّلوّ ابن الرّبيب [ 14 ]
--> [ 1 ] كذا في النسخ . ولعله محرّف عن « المنجى » وهو الموضع الذي لا يبلغة السيل . [ 2 ] صفر : جبل أحمر من جبال ملل قرب المدينة . وقال الأديبيّ : صفر : جبل بفرش ملل ، كان عنده منزل أبي عبيدة بن عبد اللَّه بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى جد ولد عبد اللَّه بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، وبه صخرات تعرف بصخرات أبي عبيدة . [ 3 ] أهتر الرجل - بالباء للمفعول وأهتر بالبناء للفاعل نادر - : ذهب عقله من كبر أو مرض أو حزن . [ 4 ] كذا في ت ، م . وفي سائر النسخ : وبرّح بي وهج بقلبي أو صفر والثويان : مثنى ثويّ وهو المقيم معك في مكان واحد . [ 5 ] في ياقوت ، عبود : جبل بين السّيالة وملل له ذكر في « المغازي » . وقيل إنه البريد الثاني من مكة في طريق بدر . [ 6 ] في م ، ت : « وعدته » بالتاء وهو مصحف عن عدنه . وعدنه ( بضم أوّله وسكون ثانيه ) : ثنيّة قرب ملل لها ذكر في « المغازي » . [ 7 ] كذا في ت . وفرّع في الجبل وأفرع : انحدر ، قال الشماخ : فإن كرهت هجائي فاجتنب سخطي لا يدركنك إفراعي وتصعيدي وصبا ، الظاهر أنها هنا مصدر من صب اللازم ، لا وصف من الصبابة ، يقال : صب في الوادي ، إذا انحدر فيه . وفي ر : « يفزع صبا أو سقيما مصعدا » . وفي م : « يفرع صبا أو هما مصعدا » . ويظهر أن كليهما محرّف عن الأوّل . وفي سائر النسخ : وجمت شجوني واستهلت مدامعي يريد : كثرت أحزاني وتتابعت دموعي . [ 8 ] انتكف الأثر : تتبّعه في مكان سهل ، وذلك لأن الأثر لا يتبين في الأرض الغليظة الصلبة . [ 9 ] الحشاشة : رمق بقية من حياة . [ 10 ] متيحا : مقدّرا . ولم نجد هذه الصيغة من هذه المادة ، وإنما الموجود أتاحه له اللَّه : قدّره ، وتاح له الأمر : قدر عليه . وفي ت : « موكلا » . [ 11 ] زيادة في ت ، م ، ر . [ 12 ] حمله هنا : أتى له بما يركبه في سفره ، قال تعالى : * ( ( ولا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْه ِ ) ) * . [ 13 ] خاض الشراب : خلطه وحرّكه . وانظر الكلام على السلوة في الحاشية رقم 6 ص 322 من هذا الجزء . [ 14 ] يريد بابن الربيب أبا عبيدة بن عبد اللَّه بن زمعة .